بقلم : أ. عبدالمجيد طاش نيازي
حق حياة الطفل في أسرة هو أحد الحقوق الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنه، فبدون الأسرة لا يمكن ضمان سلامة صحة الطفل الجسمية والعقلية، ولا تربيته تربية خلقية ودينية صحيحة، ولا زمالة طيبة سليمة تتخللها عناصر الإشراف الصحيح، كما أنه بدونها لا يتحقق له النمو الوجداني السليم.
وفي الأسرة الطبيعية يتوافر للطفل المثل الأعلى، والشعور بالأمن والحب والاهتمام، هذا الشعور الذي يربط الطفل بأسرته ويسمح لعاطفته بالنمو السليم في مراحل حياته المختلفة، إن أهمية سلامة النمو النفسي للطفل خاصة إذا علمنا أن الاضطراب العاطفي emotional disturbance في صلة الطفل بأبويه في باكورة حياته قد يتسبب في إحداث اضطرابات وجدانية تصيب الطفل في حياته المستقبلية، كما أن مشاعر الحب والتعاطف والانتماء هي ما يميز الأسر عن أي نظام اجتماعي آخر.
كما أن شعور الطفل بالانتماء لا يتحقق له إلا في أسرة، وهذا يزيد من إحساس الطفل بالمسؤولية الاجتماعية فيحرص عليها حتى تصبح من مكونات ذاته، بفرضها عليه رقيب أنتجته الأسرة هو الضمير.
إن الأسرة ليست تجمعا من الأفراد الذين يعيشون في مكان واحد، بل هي نظام اجتماعي طبيعي natural social system له خصائصه وقوانينه rules وأدواره roles ومسؤوليته وسلطته power وبناءه structure وأسلوبه الخاص في الاتصال، وطرائقه في التفاوض وحل مشكلاته التي تسمح له بتنفيذ أعماله ومهامه بطريقة فاعلة.
ففي هذا النظام الأسري يرتبط الأفراد ببعضهم البعض برباط عقلي وانفعالي واجتماعي قوي يساعدهم في الحفاظ على حياتهم وحياة أسرتهم، فيحاول هؤلاء الأفراد تنظيم وترتيب أنفسهم للقيام بوظائفهم ومسؤولياتهم، وكل فرد يشارك في الأعمال والواجبات المنزلية، ويعمل بالتعاون مع الآخرين من أجل البقاء وإشباع حاجاته التنموية، وهذه الرابطة لا يمكن أن تنفصل حتى لو كبر الأطفال واستقلوا بحياتهم حيث يستمر تأثير الأسرة على سلوك أفرادها حتى بعد انفصالهم واستقلالهم عنها.
وأخيرا فإن دراسة النظام الأسري يتطلب النظر إليه وتحليله من خلال ثلاثة جوانب أساسية:
1-بنائيا structurally.
2-وظيفيا functionally.
3-تنمويا أو نمائيا developmentally.
فالدور الوظيفي للأسرة له تأثير بالغ في حياة أفرادها وسلوكهم وتفكيرهم واتجاهاتهم، فالطريقة التي تنظم بها الأسرة أسلوب الحماية والرعاية والتعليم لأفرادها، وطريقتها في الوفاء بحاجات أعضائها الجسدية والفكرية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة العلاقات السائدة وخصائصها، وأسلوب رعاية الوالدين وسلوكهما مع الطفل كلها عوامل تعمل على تعزيز وتدعيم النمو الجسدي والعقلي والانفعالي والاجتماعي لأفرادها.
لقد ساد اعتقاد خاطئ -حتى عهد قريب- بأن دور الأم في الأسرة أكثر أهمية وتأثيرا من دور الأب، ويدلل على ذلك شدة اهتمامها الفطري الطبيعي بأطفالها وتفرغها لأداء وظيفتها، ولهذا ضلت كثير من المجتمعات تغفل دور الأب في عمليات التنشئة الاجتماعية وتحمل الأم المسؤولية الكبرى في هذا الجانب، والواقع يؤكد أن دور الأب له نفس الدرجة من الأهمية، بدليل ما نلاحظه من اضطراب في سلوك الأطفال الذين حرموا من وجود الأب أثناء نشأتهم.
وحاجة الطفل إلى الأب تنشأ من فترة مبكرة على غير ما يتصوره البعض من أن الأب غير ضروري في مرحلة الطفولة المبكرة، بل في المرحلة التي يتحتم فيها الإشراف الدقيق على سلوك الطفل كمرحلة المراهقة، حينما يتعرض الطفل لأنواع الانحراف، وهذا زعم خاطئ لأن حاجة الطفل إلى الأب ليست بسبب الإشراف فقط، بل لأن الوضع الطبيعي لكل طفل أن ينشأ في ظل أب يرعاه ويبادله الحب، ويتوسم فيه الطفل المثل الأعلى وينتسب إليه، ويجد في كنفه الحماية والأمان.
لقد بدأت بعض المجتمعات تدرك أهمية وجود الأب في حياة الطفل منذ ولادته وذلك نتيجة لما أثبتته الدراسات المتخصصة عن أهمية دور الأب في نمو الطفل جسميا وعاطفيا وفكريا واجتماعيا. وقد قام بعض الباحثين بملاحظة مدى سعادة الآباء بأطفالهم حديثي الولادة ورضاهم عنهم، فقابلا الآباء الجدد واكتشفوا أن الآباء يبدؤون بتكوين علاقة مع أطفالهم حديثي الولادة خلال الثلاثة أيام الأولى من ولادتهم، وأن هذه العلاقة كانت تتسم بالاهتمام interest والانهماك الكامل engrossment بأطفالهم الجدد، كما أكد هؤلاء الباحثين على أن للآباء تأثير مباشر على الرضع من خلال تأثيرهم في أسلوب معاملة الأم للرضيع، حيث ركزت إحدى الدراسات على إجراء مقارنة لمجموعة من الأمهات مع أطفالهن ومجموعة أخرى في وجود أزواجهن، وتوصل إلى أنه في حالة تواجد الآباء فإن تفاعل الأمهات مع أطفالهن من خلال التحدث إليهم، وملامستهم، وحملهم، والتبسم نحوهم، واستكشافهم (تلمس أصابعهم وآذانهم ورؤوسهم وغيرها من عمليات التفاعل والاتصال بين الأمهات وأطفالهم) تزداد.
وفي دراسة أخرى استهدفت التعرف على ما إذا كان الآباء يتحدثون مع أطفالهم حديثي الولادة -كما يفعل الأمهات- استخدم فيها أسلوب التسجيل الصوتي، وجد أن الآباء كالأمهات يتحدثون إلى أطفالهم حديثي الولادة وأن حديثهم تميز بالبطيء، وقصر الكلمات المستخدمة، وتكرار بعض الكلمات والجمل، ودلت الدراسة على أن هذا النوع من الحديث (الحديث الطفولي baby talk) يساعد الآباء على التفاعل مع أطفالهم بصورة أفضل.
إن دور الأب في الأسرة يجعله مسؤولا عن إعالتها ونموها العقلي، وإشباع حاجاتها النفسية والاجتماعية، علاوة على ذلك فإن وجود الأب يشعر الطفل بأنه مماثل لزملائه في المجتمع الخارجي، فالأفراد الذين فقدوا آباءهم مبكرا يتألمون إذا ذكر أحد زملائهم أباه أو تحدث عنه، بل كانوا يختارون أصدقاء لهم في مثل ظروفهم، أي فقدوا آباءهم، وذلك لأنهم كانوا يشعرون بنقص شديد ومرارة لغياب الأب من حياتهم.
والوالدان هما اللذان يزودان الطفل بالجو العاطفي الذي لا يمكن تحقيقه في مكان آخر، هذا الجو الذي يجعل الطفل أكثر سعادة وانتفاعا بالفرص التي يقدمها له المجتمع منذ ولادته، ففي تجربة أجريت على الأطفال الرضع في مدينة نيويورك استهدفت قياس مدى أثر الغذاء الوجداني على حياة الطفل، أخذ عينة من الأطفال ووضعوا في دور تقدم لهم جميع حاجاتهم المادية من غذاء ونظافة ودواء إلى غير ذلك عن طريق ممرضات صدرت إليهن الأوامر بعدم تكوين أي نوع من العلاقات العاطفية مع الأطفال، فلم يسمح لواحدة منهن مثلا الاستجابة لبكاء الطفل طالما قدمت له الغذاء في موعده وطالما كان نظيفا، كما لم يسمح لهن بمناغاة الأطفال أو البقاء معهم في غير أوقات الأكل والنظافة، وقد كانت النتيجة أن مات من هؤلاء الأطفال عدد أكبر من عدد من مات من مجموعة مماثلة توافرت لها الروابط الوجدانية وسط أسر حاضنة.
كما أكدت كثير من الدراسات على أهمية دور الوالدين في زيادة قدرات الأطفال على استخدام اللغة والكلمات، وعلى زيادة قدراتهم لحل المشكلات التي تواجههم، وتجنب الأخطاء، والتخطيط والتنظيم السليم، كما أكدت على أن درجة هذا التأثير يعتمد على عوامل منها:
1-حجم ونوعية التفاعل الذي يحدث بين الوالدين وطفلهما.
2-مقدار الجهد الذي يبذله الوالدان في فهم الطفل.
3-مستوى القدرات المعرفية لدى الطفل.
4-مدى ارتباط هذا التفاعل بالجوانب الاجتماعية في الحياة.
إن لعلاقة الوالدين بأطفالهم أهمية بالغة في نموهم نموا نفسيا وفكريا واجتماعيا سليما، وحرمان الطفل من التفاعل الاجتماعي والعاطفي يؤثر تأثيرا سلبيا على النمو الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي للطفل، وذلك بسبب عدم توافر الخبرات التفاعلية الطبيعية مع الأم، وهي خبرات الحنان والحب غير المشروط والعطف والأمان، والاستجابة السريعة لإشباع حاجاته الأساسية. كما أشارت بعض الدراسات إلى ثلاثة مراحل للاكتئاب الاعتمادي anaclitic depression التي يمر بها الأطفال الرضع بعد فصلهم عن والديهم الطبيعيين هي:
1-الاحتجاج.
2-اليأس.
3-الانفصال.
الذي يؤدي بهم إلى الفشل في تناول الطعام والفشل في النمو والبقاء، فمستقبل الرضيع يحدد من خلال علاقته بوالديه فكلما كانت العلاقة قريبة مبنية على الاهتمام والرعاية والمحبة والعطف كلما أدى ذلك إلى نمو الطفل نموا نفسيا سليما، أما حرمان الطفل من رعاية أحد والديه أو كليهما -بسبب الطلاق أو المرض أو الموت- فيعتبر من أهم المشكلات الأسرية التي تعرض الطفل للضغوط النفسية والاجتماعية، وتزداد هذه الضغوط وتتفاقم كلما كان الحرمان في سن مبكرة، وتؤكد بعض الدراسات على أن حرمان الأطفال في سن مبكرة من رعاية والديهم الطبيعيين يؤدي إلى حدوث مشكلات خطيرة لهؤلاء الأطفال في سنين الجامعة، وذلك بسبب عدم تعامل معظمهم مع مشاعر الأسى والحزن الناجمة عن حالة الفقد من وقت مبكر، فالتعامل مع هذه المشاعر يستلزم الاعتراف بها وموجهتها والتعامل معها ولا يتأتى ذلك إلا في مرحلة متأخرة. ويؤكد على ذلك الدراسة التي طبقت على (112) طالبا جامعيا ممن راجعوا مكتب خدمات الإرشاد الجامعي، حيث أثبتت هذه الدراسة أن نسبة 39% من هؤلاء الطلاب أتوا من أسر فقدت أحد والديهم أو كليهما.
ومما لاشك فيه أن معظم -إن لم يكن كل- الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية الطبيعية يعانون من مشكلات نفسية واجتماعية مختلفة، وقد أكد على هذا كثير من الدراسات التي أجريت في هذا المجال، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى أن كل الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية الطبيعية -تقريبا- يشعرون بعدم السعادة أو يتمنون لو أنهم يعيشون حياة طبيعية أسوة بغيرهم من الأطفال، وأن هذه الحقيقة النفسية psychological fact هي العامل الرئيس في صعوبة تكيف الأطفال المحرومين مع أي نوع من الرعاية البديلة المفروضة عليهم، كما تؤكد دراسة أخرى على أن حالة الحزن والأسى التي يعاني منها الطفل المحروم هي من أصعب المهام التي تواجهها أنظمة الرعاية البديلة ذلك لأن الرعاية البديلة تعني -بالنسبة للطفل- قطع الأمل من عودة والديه، هذا بالإضافة إلى عدم قدرته على فهم الوضع الذي يعاني منه والتعامل معه بشكل سليم.
إن الحرمان من الأمومة والأبوة قد يكون لها آثارا نفسية واجتماعية خطيرة على الطفل، وقد تؤدي إلى مشكلات مختلفة من أهمها: صعوبة تكوين العلاقات والمحافظة عليها، والشعور بعدم الأمان، والشعور بعدم الانتماء، والصراعات النفسية، والقلق، والاكتئاب، والضغوط النفسية، والغضب، والحزن، والعزلة.