المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الداء العضال


الاخصائيه منى
08-17-2007, 05:47 PM
الداء العضال
عبدالله إبراهيم حمد البريدي



الكِبر والكبرياء والتغطرس والخيلاء والزهو والجبروت والتيه والتطاول والصلف.. كلها أسماء تعني شيئاً واحداً وهو التكبر أعاذنا الله وإياكم منها جميعاً.

قال أحد السلف : إن الكِبر أول ذنب عصي الله به.

قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.

والكبِر من أسباب دخول جهنم، دليل ذلك: قال الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - : (يقول الله سبحانه: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم) وذلك في الحديث القدسي.

وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر).

وما أبغض هذه المعصية عند البشر، فهي تسلب كل فضيلة وتُكسب كل رذيلة، وتُكسب الإنسان مقت الناس، وتسلبه حبهم.

وكل الأفعال والخصال الذميمة يرجى من صاحبها الخير وتُرجى له توبة، إلا صاحب الكبر فلا يُرجى منه خير ولا نقول إنه لا يتوب، لكن يصعب عليه الإقلاع عن هذه الرذيلة.

وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه.

وقال أحد الحكماء : لا يتكبر إلا وضيع، ولا يتواضع إلا رفيع.

هذه الحكمة قيلت شعراً في بيتين بلغا الآفاق وهما:

تواضعْ تكنْ كالنجم لاحَ لناظر

على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه

إلى طبقات الجو وهو وضيع

وإن كان الكبر مذموماً وقبيحاً للغني فهو للفقير أكثر ذمّاً وقبحاً، وإن كان شنيعاً بشعاً للعالم فهو للجاهل أكثر شناعة وبشاعة، فقد جاء في الحديث قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ وملك كذاب وعائل مستكبر).إن المرء ليعجب من حال المستكبرين والمتعالين على الناس، فقد قال الأحنف بن قيس: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟

لقد أصاب الكبر وضده (التواضع) ما أصاب غيرهما في هذا العصر من التفسير الخاطئ لهما ولمضمونهما؛ فقد يسمى التكبر اعتداداً وشموخاً، ويسمى التواضع هواناً وذلاً!! والحقيقة عكس ذلك فالتكبر والتعالي دليل خواء وفراغ، والتواضع امتلاء وثقة بالنفس، يبين ذلك هذا البيت الجميل الذي يحمل الكثير من المعاني والدلالات:

ملأى السنابل ينحنين تواضعاً

والفارغات رؤوسهن شوامخ

وهناك قصص طويلة وقصيرة للمتكبرين وما انتهوا إليه، ولا تخفى قصة قارون على أحد وما آل إليه ملكه بعد استكباره على رب العالمين.

وورد في حديث شريف قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (بينما رجل يتبختر يمشي في برديه قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).

وقصة الرجل الذي سُئل: ماذا ترى الناس؟

قال لا أراهم إلا كالبعوض! فقيل له: إنهم لا يرونك إلا كما تراهم.

وضده الرجل الذي سُئل: ماذا ترى الناس؟

قال: إني أراهم أعظم شأناً مني وأعلى منزلة، فقيل له: إنهم يرونك أعظم مما تراهم شأناً ومنزلة.

يناسب هذين الرجلين ونظرتيهما المتضادتين قول الشاعر:

أحب مكارم الأخلاق جهدي

وأكره أن أعيب وأن أعابا

وأصفح عن سباب الناس حلماً

وشر الناس من يهوى السبابا

فمن هاب الرجال تهيبوه

ومن حقر الرجال فلن يهابا

ومضة :

(الأقربون أولى بالمعروف) يقابلها:

وظلم ذوي القربى أشد مرارة

على اشلمرء من وقع الحسام المهند

وهل هناك ظلم أكبر وأشد مرارة على الإنسان من تكبر قريبه عليه؟ وكيف إذا كان المتكبر (ولداً)، وكان المتكبر عليه والداً؟!.