المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحركات الاجتماعية في عالم متحول


zaydoun
03-17-2008, 01:44 AM
أنا سعيد جدا أن أعود مرة أخرى إلى هذا المنتدى المتميز، واسمحوا لي أن أساهم بهذا المقال المتواضع.

مقدمة:
بدأت تتنامى قناعات عدة ترى أن استمرار الأنظمة الشمولية في كثير من مجتمعات اليوم، يجعل من الصعب حدوث التغير الاجتماعي عبر الهياكل السياسية، أو عبر قنوات الديمقراطية. مما حتم في هذه الحالة البحث عن منافذ للتغيير عبر قنوات وطرائق غير تقليدية. وبما أن حدوث الثورات أخذ في التلاشي منذ أمد، فقد بدأت الحركات الاجتماعية في الظهور كفعل أكثر وعيا وفعالية، والهادفة إلى تحقيق مصلحة عامة أو الوصول إلى أهداف مشتركة عبر التحرك خارج المؤسسات النظامية. والمجتمع المعاصر يزخر بالكثير من هذه الحركات الاجتماعية، وتتمايز من حيث مجال الاشتغال والأهداف المبتغاة. وهذا المقال محاولة بسيطة لتسليط الضوء على أهم جوانب هذه الحركات :من حيث سياق ظهورها، وأهم خصائصها، ومصادر ديناميتها الخاصة. وأوردنا مثالين لهاته الحركات، وهما: حركة مناهضة العولمة، والحركة النسوية، ويمكن اعتبارهما من بين أبرز الحركات الاجتماعية الذائعة الأثر في المجتمعات المعاصرة.

التعريف:
اختلف المفكرون في تعريفهم للحركة الاجتماعية، فقد عرفها بلومر بأنها ذلك الجهد الجماعي الرامي إلى تغيير طابع العلاقات الاجتماعية المستقرة في مجتمع معين. فيما نجد كلا من جولد وكولب في قاموس علم الاجتماع قد عرفاها باعتبارها تلك الجهود المستمرة من قبل جماعة اجتماعية تهدف لتحقيق أهداف مشتركة لكافة الأعضاء.
ونجد قاموس علم الاجتماع LAROUSSE يعرف الحركة الاجتماعية على أنها تنظيم جماعي يسعى إنشاء نظام جديد للحياة.
. ويعرفها سكوت على أنها فاعل اجتماعي ينشأ بين أفراد لهم مصالح عامة ويدركون هوية خاصة لهم، وبالتالي فهي كل العناصر الجماعية والاستقلالية، ومستوى الوعي المرتبط بهوية مميزة ترتبط بمصالح نطاق محدد من المجتمع سواء كان يضم فئات اجتماعية متجانسة أو متطابقة تسعى إلى التأثير في المجتمع بتوسيع نطاق سلطة شرعية تعتمد على إكساب مجموعة من الأفكار والمبادئ والقيم والأخلاقيات قبولا واسعا من خلال تعبئة الجماهير وتسعى إلى تحسين مواقع الفئة الاجتماعية، وهي تسعى أيضا للتأثير في بناء القوى الاجتماعية من خلال التوافق أو الصراع الاجتماعي، ولكنها لا تسعى إلى إحراز السلطة السياسية ولا إلى امتلاك المؤسسات السياسية التقليدية.
سياق الظهور:
وفي سياق الحديث عن العوامل المتدخلة في ظهور الحركات الاجتماعية، يعود كثير من السوسيولوجيين إلى التعليل بالآثار المباشرة لظاهرة العولمة ولمختلف النتائج التي تتمظهر بجلاء على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والبيئي...لمختلف المجتمعات، ولهذا نجد عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدينز يرى بأن تعاظم أهمية الحركات الاجتماعية في العقود الأخيرة، واتساع أدوارها كان ذلك نتيجة لعجز المؤسسات التقليدية أو قصورها عن التصدي لأشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية على اختلافها مثل: القضايا البيئية، وأخطار الانتشار النووي، والمخاطر التي تنطوي عليها عملية العولمة، أو أساليب إنتاج الغذاء المعدل جينيا، والآثار السلبية لانتشار تقانات المعلومات الجديدة. وهذه المشكلات والتحديات هي من النوع الذي لا تستطيع المؤسسات الحكومية والسياسية والحزبية السائدة في المجتمعات الحديثة أن تتصدى له. بل إننا، في المقابل نشهد تزايد الهيمنة التي تمارسها على حياتنا الاجتماعية والخاصة المؤسسات التجارية والاقتصادية العملاقة، والأجهزة الحكومية البيروقراطية، ونفوذ وسائل الإعلام. يرى كثير من خبراء العلوم الاجتماعية والمحللين والمراقبين أن العولمة، إذا ما ترك لها المجال للمضي قدما في مساراتها الحالية ووفق منطقها الخاص، ستلحق أضرار بالغة، وتطرح مخاطر جسيمة على حياة المواطنين العاديين في جميع أرجاء المعمورة.
كما أن ظهور هذا النمط الجديد من الأفعال الاجتماعية يدل على أن ثمة نمو قناعات جديدة لدى الناس بجدوى هذا الفعل الاجتماعي الحركي. وفي هذا الصدد يرى أنتوني غيدينز أيضا أن هذه الحركات تشير إلى تزايد الاقتناع لدى الناس بأن العمل والمشاركة المباشرة قد يكونان أكثر جدوى ونفعا من الاعتماد على السياسيين والنظم السياسية، ولا سيما في المجالات المتصلة بالقضايا الأخلاقية الكبرى الكامنة في أعماق حياتنا الاجتماعية. والحديث عن السياق الذي ولد هذه الحركات الاجتماعية، يجعلنا نتساءل عن بعض خصائصها وذلك لفهمها أكثر.
خصائص الحركات الاجتماعية:
في كتابه البراديكم الجديد، يرى ألان توران أن هناك خصائص تميز الحركات الاجتماعية ويرى:
- أن الحركات الاجتماعية هي مقولة جد خاصة داخل مجموعة شاسعة من أفعال المطالبة.
- أن هذه الحركات تتحدد بإرادة الحصول على حقوق جديدة.
- أن " الحركات الاجتماعية الجديدة"، التي هي مختلفة بالتأكيد تفرض جميعها الاعتراف بنوع جديد من الحقوق، إنه الحقوق الثقافية.
- أن هذه المطالب هي جديدة ولا توجد لا في المجتمع الصناعي ولا في المجتمع القبل الصناعي.
- أن هذه الحقوق الثقافية، كالحقوق الاجتماعية قبلها، يمكنها أن تصبح أدوات غير ديمقراطية، سلطوية أو أيضا شمولية، إذا لم يتم ربطها بدقة بالحقوق السياسية التي هي عالمية، وإذا لم تجد موقعا داخل التنظيم الاجتماعي، وبالخصوص داخل نظام توزيع الموارد الاجتماعية.
إضافة إلى ذلك يرى غيدينز أن من بين الخصائص التي تميز الحركات الاحتجاجية، على سبيل المثال، قدرتها على النشاط في الهامش الذي تسمح الحكومة من الوجهة القانونية بالنشاط فيه في أماكن وأوقات معينة داخل البلاد. وليس هذا هو عامل نجاحها الأوحد بل نجد مصادر تغذي حركيتها.
مصادر دينامية الحركات الاجتماعية:
يرى كل من Doug McAdam،وJohn D.McCarthy ، و Mayer Zald، أن هناك ثلاثة عوامل حاسمة للحركات الاجتماعية: الفسحة السياسية، القدرة التنظيمية، والقوة التأطيرية. و ينظرون إلى هذه الحركات الاجتماعية باعتبارها حركات سياسية بوسائل مغايرة، وغالبا ما تكون هذه الوسائل هي الوحيدة لتحدي الجماعات لعجزها النسبي. ويقولون بثبات السخط، ويؤكدون على تنوع مصادر تفسير ظهور ونشوء التمرد.
وإذا كانت العولمة يمكن اعتبارها العامل القوي في ظهور هذه الحركات فإن هذا لا يعني أنها قطعت كل الوصال مع كل ما يرتبط بالعولمة، بل بالعكس، فلو لم تأخذ بالتقنية التكنولوجية التي جاءت مع العولمة لما كتب لها النجاح والاستمرار، وهذا ما ذهب إلى التأكيد عليه عالم الاجتماع المعاصر (1997Castells) حيث يرى أن عصر المعلومات الذي نعيشه الآن قد شهد تحولا جذريا في الحركات الاجتماعية المختلفة كل الاختلاف في أهدافها، ومراميها، وطبيعة نشاطها، ومواقعها الجغرافية، ولكنها استأثرت باهتمام عالمي واسع من خلال استخدامها تقانة المعلومات، ولولا استخدام هذه الحركات شبكات الإنترنت، وانتشارها الفوري عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والفضائيات، لبقيت جماعات معزولة ومغمورة في مواطنها الأصلية في المكسيك، والولايات المتحدة الأمريكية، واليابان.
والحديث عن الحركات الاجتماعية لا يعني أنها ذات أشكال تنظيمية متجانسة ومتناظرة المطالب والأهداف، بل بالعكس، فهي حركات متعددة تعدد المطالب الاجتماعية، بل أنها تتباين حتى في أشكال التحرك والاحتجاج، ولذلك نجد حركات الحقوق المدنية، الحركات النسوية، حركات المحافظة على البيئة، مناهضو السلاح النووي، حركات مناهضة العولمة...

حركة مناهضة العولمة:
المظاهر السلبية التي أفرزتها العولمة، كانت مدعاة لنشوء حركات اجتماعية تطالب بالحد من التغول الذي يصاحب هذه الظاهرة ويترك آثارا بشعة على المجتمعات البشرية. ويرى ألان تورين في كتابه السابق الذكر، بأن العولمة ليست مرحلة من الحداثة أو ثورة صناعية جديدة بل إنها نمط رأسمالي متطرف من التحديث، والذي لا يمكن خلطه مع نوع أو طبيعة المجتمع، كالمجتمع الفيودالي أو المجتمع الصناعي. ومن جانب آخر ليست الحركة المضادة للعولمة ضد الانفتاح العالمي للإنتاج والتبادلات بل تناضل من أجل عولمة أخرى، لا تطحن الضعفاء، المصالح المحلية، الأقليات والبيئة، لصالح من يملكون الثروة، القوة والتأثير.
الحركة المناهضة للعولمة-يضيف تورين- تحتل مكانا مهما اليوم كما الاشتراكية خلال العشرينات الأولى للمجتمع الصناعي. الواحدة والأخرى تناضل وناضلت قبل كل شيء ضد التوجه الرأسمالي للاقتصاد والمجتمع. الواحدة والأخرى واجهت وتواجه نمطا من النمو أكثر من نموذج مجتمع محدد بأشكال من الإنتاج، التنظيم والسلطة. الحركة المضادة للعولمة تنادي بتدبير ديمقراطي للتحولات التاريخية الكبرى. وهذا الدور سيبقى مختلفا عن الدور النقابي في المجتمع الصناعي حيث شكلت النقابة حركة اجتماعية مركزية.
الحركة النسوية:
الحركات النسوية هي كذلك من الصور البارزة للحركات الاجتماعية التي تستأثر باهتمام الباحثين السوسيولوجيين. وفي حقيقة الأمر فهذه النزعة النسوية تجد جذورا لها في التغير الاجتماعي الذي طال المجتمعات الغربية خاصة، وفي بزوغ نمط جديد من التفكير والذي يعيد صياغة النظرة إلى المرأة باعتبارها ذاتا لها كينونتها الخاصة غير المرتبطة بالرجل، وليست مجرد جسم تابع له. بل إننا نجد ألان توران كعالم اجتماع معاصر يقول ببراديكم جديد مركز فعله هو المرأة.
يرى تورين أن العلاقة بالجسد تحتل موقعا مركزيا في مجتمع اليوم كالعمل في المجتمع الصناعي أو المكانة السياسية للحرية أو العبودية في المجتمعات السياسية. فالجنسانية تحضر في كل سمات الشخصية وتأخذ موقعا مهما في بناء الذات. لكن لفهم الحركة النسائية يجب وضع فعل النساء في إطار أشمل للصراعات من أجل المساواة واحترام الحقوق السياسية والاجتماعية.
كثير من النساء- حسب تورين- يفسرن صراعهن بكونه من أجل هدم كل التمايزات واللاعدل. فهن يهدفن إلى مساواة كاملة بين الرجال والنساء، وبالتالي يرفضن كل مرجعيات النوع في مجال الشغل والأجور. لكن أخريات يدافعن قبل كل شيء عن اختلافهن بالنسبة للرجال، وفي نفس الوقت مساواتهن معهم. يقلب تورين هنا النظرة إلى علاقة رجل - امرأة بشكل فريد. تحتل الجنسانية موقعا مركزيا في تشكيل الذات لأنها تعود إلى تجربة فردية، إلى التزام الشخصية حول هذه التجربة، التي هي في الآن نفسه معاشا شخصيا، علاقة بالآخر، وأكثر عمقا فيما يتعلق بالوعي بالذات.
إنه بفعل النزعات الذكورية وطبيعة النظام البطريركي السائد لفترة تاريخية في جل المجتمعات بما فيها الغربية، أخذت تبرز إلى الوجود-حسب غيدينز- نزعات التمرد والمقاومة في أوساط قطاعات وشرائح معينة داخل إطار الأنوثة الخضوعية لترفض مقاييس الهيمنة الذكورية السائدة، وتشق لنفسها طريقا مختلفا وأسلوب حياة متميز، مع مايرافق ذلك من تبدل في طبيعية الهويات التي تتخذها مجموعات من النساء لأنفسهن. وتتجلى هذه النزعات في قطاعات وشرائح متميزة من النساء تتراوح بين فئة النساء النشطات في سوق العمل أو المبدعات في صنوف الفكر والآداب والفنون أو مجالات العمل العام.
ظهور هذه الحركات النسوية لا يعني فقط تمردها على نظام تقليدي ذو نظرة دونية للمرأة، بل ما ينبغي أن يفهم أيضا، أن رد الفعل هذا، جاء ضد الاستغلال الرأسمالي البشع ضد المراة، سواء أكان ذلك في المعمل أو في المتاجرة بجسدها.

بعد هذا كله، ينبغي الإشارة إلى أنه لا يمكن فهم الحركات الاجتماعية إلا باستحضار السياق العالمي المتغير، المتسم بالتحكم العولمي وإفرازاته المتعددة على جل المجتمعات، إضافة إلى تبدي أنماط ثقافية عالمية ومشتركة، تجسد وعيا اجتماعيا عالميا لدى كثير من الشعوب بضرورة التنسيق المشترك للوقوف كند واحد ضد الأخطار التي تهدد المجتمع البشري برمته. وربما يمكن القول بأن الحركات الاجتماعية الدولية(أطاك مثلا) تجسيد لمثل هذا الوعي الاجتماعي الكوني .

تركي السعد
04-28-2008, 10:16 PM
الله يعطيك الف عافية ,,

مقال أكثر من رائع ..

جعله في ميزان حسناتك ..

فراس المنيع
06-04-2008, 04:49 PM
عوداَ محمودا

موضوع تشكر علييه