عبدالمجيد طاش نيازي
03-02-2008, 12:11 AM
العمل مع الجماعات " رؤية تاريخية "
يشير ( Zastrow, 1991 ) إلى أن جذور طريقة العمل مع الجماعات بدأت من خلال بيوت المعسكرات Settlement Houses ، و YMCAs ، و YWCAs ، والأندية الشبابية . وأن هذه المؤسسات قد ركزت في برامجها على الأشخاص الأسوياء العاديين بهدف تحقيق أغراض متنوعة كالترويح والتعليم والصداقة والعمل الاجتماعي . كما أشار ( Euster, 1980 ) إلى أن الهدف من العمل مع هذه الجماعات تركز حول تعليم أعضاء الجماعة التعاون وتكوين العلاقات الاجتماعية ، وإثراء أنفسهم من خلال تعلم معارف ومهارات واهتمامات جديدة .
لقد أنشأ أول معسكر ( Yoynbee Hall ) في لندن عام 1884 م ، ثم توالى إنشاء العديد من هذه المعسكرات في المدن الكبيرة بالولايات المتحدة الأمريكية ( Stroup, 1986 ) . وقد أشرف على هذه المعسكرات في بداية الأمر عدد من بنات الوزراء وأفراد من الطبقة الوسطى والعليا الذين عاشوا في الأحياء الفقيرة وأحسوا بمعاناة الطبقة الفقيرة في هذه الأحياء . وعملوا مع هذه الجماعات بهدف تحسين أوضاعها المعيشية ، وتعليمهم القيم الأخلاقية ، وتحسين ظروفهم . ويشير ( Zastrow, 1991 ) إلى أن العاملين في هذه المعسكرات هدفوا إلى تحسين الأوضاع السكنية والصحية والمعيشية لهذه الجماعات ، كما عملوا على مساعدة الأفراد العاطلين عن العمل والبحث لهم عن عمل مناسب ، وتعليمهم اللغة الإنجليزية ، والرفع من مستوى وعيهم الصحي ومستوى الصحة العامة ، هذا بالإضافة إلى إكسابهم المهارات المهنية المتنوعة ، وتغيير أوضاعهم البيئية من خلال الجهود المشتركة .
ويشير ( مصطفى ، 1996 ) إلى أن طريقة العمل مع الجماعات لا يمكن نسبتها إلى شخصية عملية معينة ، إلا أن هذه الطريقة كانت قد واكبت تطور المؤسسات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي منها ما يسمى بمنظمات الخدمة الذاتية self service ومؤسسات الترويح ومراكز الجيرة إلى جانب حركة الإسكان وحركة الشبان المسيحيين وحركة الكشافة والمعسكرات بالإضافة إلى حركة المحلات الاجتماعية والملاعب العامة التي أصبحت فيما بعد من أهم المؤسسات التي تمارس طريقة العمل مع الجماعات . لقد كانت المحلات الاجتماعية والمنظمات الشبابية تمارس أوجه نشاط مختلفة كالألعاب الرياضية والتمثيل والرسم والمناقشات الجماعية المختلفة إلا أنها كانت تمارس مثل هذه الأنشطة بطريقة غير مقنعة من الناحية العلمية .
لقد ساهمت مجالات وتخصصات عديدة في فهم طريقة العمل الجماعي فالخدمة الاجتماعية وعلم النفس والاجتماع والتربية والترويح كلها مجالات ساعدت وساهمت بشكل فاعل في نمو وتطور هذه الطريقة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم . ولا يزال الكثير من هذه المجالات يستخدم هذه الطريقة في تحقيق أهدافها . حيث يشير ( Boyd, 1935 ) إلى أن الجماعة استخدمت لتحقيق أهداف علاجية therapeutic goals في مؤسسات الصحة النفسية ، ولكن الفضل في معظم ما يتعلق بخبرات العمل الجماعي كان نتاجا لجهود الأشخاص الذين قادوا جماعات التنشئة الاجتماعية socialization groups والجماعات التعليمية للراشدين adult education groups والجماعات الترويحية recreation groups في مؤسسات الخدمات الشبابية والمعسكرات .
ويعتقد الكثير من الممارسين أن العمل بمنهج دراسة الحالة case work سبق منهج العمل مع الجماعات group work بسنوات عديدة ، وهذا غير صحيح على الإطلاق . فالعمل مع الجماعات ظهر كطريقة بعد سنوات قليلة فقط من ظهور طريقة دراسة الحالة . فقد بدأ تدريس طريقة العمل مع الجماعات في مدارس الخدمة الاجتماعية في بداية القرن التاسع عشر ( Maloney, 1963 ) . كما استخدمت طريقة دراسة الحالة والعمل مع الجماعات من جانب الأخصائيين في بداية القرن العشرين ، ويؤكد على ذلك أيضا ( Schwartz, 1981 ) الذي يذكر أن الفرق التاريخي الوحيد بين طريقة دراسة الحالة وطريقة العمل مع الجماعات هو أن الطريقة الأولى تم الاعتراف بها كطريقة للعمل بعد فترة وجيزة من ظهورها ، بينما تأخر الاعتراف بطريقة العمل مع الجماعات لحين انعقاد المؤتمر الدولي للأخصائيين الاجتماعيين National Conference of Social Workers الذي نظم عام ) 1935 م ) .
وقد زاد الاهتمام بطريقة العمل مع الجماعات في الخدمة الاجتماعية خلال الأربعينات وذلك وفقا لتقرير الجمعية الأمريكية للأخصائيين العاملين مع الجماعات ( American Association of Group Workers, 1947 ) ، ومع ذلك فقد ظلت هذه الطريقة خاصة بالعمل في مجالات محددة كالترويح وتعليم الكبار والصحة النفسية حتى عام 1950 م عندما انضم الأخصائيون الممارسون لطريقة العمل مع الجماعات إلى ست اتحادات مهنية كونت الاتحاد الدولي للأخصائيين الاجتماعيين National Association of Social Workers ( Toseland & Rivas, 1998 )
وقد استخدمت طريقة العمل مع الجماعات في المعسكرات Settlement Houses لتوفير فرص التعليم ، والترويح ، والتنشئة الاجتماعية ، والمشاركة الاجتماعية للمواطنين الذين يعيشون في هذه المعسكرات . كما ساعدت هذه الطريقة على توفير فرص عديدة لتبادل وجهات النظر والحصول على الدعم والمساندة والتعاطف والاستفادة من قوتهم الناتجة عن تجمعهم لإحداث التغيير الاجتماعي المنشود .
وقد اعتمد الأخصائيون العاملون مع الجماعات على الأنشطة لحفز وحث أعضاء الجماعة على العمل ، فقد كانت النشاطات المختلفة هي الوسيلة الأساسية لمساعدة الجماعات في إنجاز أهدافها ( Addams, 1909 , 1926; Boyd, 1935, 1938 ; Smith, 1935 ) . لقد اعتمد الممارسون لطريقة العمل مع الجماعات على المعسكرات ، والمحادثات الجماعية ، والألعاب ، والفنون ، والنحت للترويح عن أعضاء الجماعة وتعليمهم وتأهيلهم وتوفير المساندة الاجتماعية لهم وتنشئتهم اجتماعيا .
وعلى العكس من طريقة دراسة الحالة التي ركزت على أسلوب حل المشكلات والتأهيل ، استخدمت طريقة العمل مع الجماعات النشاطات لتحقيق المتعة والتسلية والفائدة بالإضافة إلى حل المشكلات ، وبالتالي فإن طريقة العمل الجماعي التي نمت داخل هذه المعسكرات اختلفت في مجالات تركيزها وأهدافها عن طريقة دراسة الحالة . كما يمكن ملاحظة الاختلاف بين الطريقتين في علاقة المساعدة helping relationship بشكل واضح . فبينما ركزت طريقة دراسة الحالة على البحث عن ضحايا الثورة الصناعية ومساعدتهم ، ومعالجة مشكلات العملاء ذوي الدخول المرتفعة ، بالإضافة إلى العمل مع العجزة والمعوقين والفقراء ، فإن العمل الجماعي لم يركز على الحالات الفقيرة أو الحالات التي تعاني من المشكلات بل ركز في معظم عمله على الأفراد الأسوياء ، كما استخدم المختصون في العمل مع الجماعات كلمة أعضاء members بدلا من كلمة عملاء client ( Bowman, 1935 ) للدلالة على الأفراد الذين يتعاملون معهم في هذه الجماعات .
وقد ركزت هذه الطريقة على التعامل مع جوانب القوة في شخصيات الأعضاء بدلا من التركيز على جوانب ضعفهم . فقد كان ينظر إلى المساعدة في العمل الجماعي على أنه عمل يتميز بالعلاقات المتبادلة والتعاون بين أعضاء الجماعة للوصول إلى فهم مشترك لأساليب عمل جماعية مع الأخذ بعين الاعتبار اهتماماتهم كأفراد وكجماعات يعيشون في مجتمع ، فمتى ما تم تحديد اهتمامات الجماعة يقوم الأعضاء بتوفير المساندة والدعم والتعاطف لمساعدة بعضهم بعضا ، ويقوم القائد بدور الوسيط بين مطالب المجتمع واحتياجات أعضاء الجماعة ( Schwartz, 1981 ) .
كما يظهر الاختلاف بين طريقة العمل مع الأفراد وطريقة العمل مع الجماعات في العمليات الأساسية للعمل الجماعي المتمثلة في التفاعل المشترك والسلطة أو القوة المشتركة والاشتراك في اتخاذ القرارات التي يواجهها الأخصائي الذي يعمل مع الجماعات ولا يتعامل معها أخصائي دراسة الحالة ، كما أن أخصائي العمل مع الجماعات مطالب غالبا بالتدخل السريع خلال الفترات التي يتسم فيها العمل الجماعي بالتعقيد وسرعة التفاعل والتعامل مع حاجات أعضاء الجماعة المختلفة ، كما أن حجم الجماعة ، وعدد أعضائها ، وعملية اتخاذ القرار ، واستخدام أعضاء الجماعة لمساعدة بعضهم بعضا كلها عوامل تضع عبئا على الأخصائي وتفرض عليه تعلم واكتساب مهارات تختلف عن المهارات التي يستخدمها أخصائي دراسة الحالة .
وبين الأعوام 1910 إلى 1920 م بدأ الأخصائيون الذين يعملون مع الجماعات وخاصة في مجالات تعليم الكبار والترويح والعمل المجتمعي بإدراك أهمية العمل الجماعي فاستخدموا الجماعة كوسيلة لمساعدة الناس على المشاركة المجتمعية وإثراء حياتهم وتوفير المساندة للأشخاص الذين يعانون من انخفاض كفاءة علاقاتهم الاجتماعية وعدم الرضا عنها ، كما أدركوا أهمية الجماعة في مساعدة الناس لتعلم المهارات الاجتماعية social skills ومهارات حل المشكلات problem solving skills ، وبدءوا في استخدام الجماعة كوسيلة للوقاية من الانحراف delinquency وإعادة تأهيل rehabilitate الأشخاص الذين يعانون من سوء التوافق maladjusted ( Addams, 1909, 1926 ) . خلال هذه الفترة بدأ بعض المختصين بالكتابة عن الجماعات التي شاهدوها تعمل في مجتمعاتهم وغالبا ما كانت كتاباتهم نابعة من خبراتهم الشخصية ، ومن أهم من كتب في هذا المجال Edward Lindeman " رائد تعليم الكبار " الذي ألف كتابا عن الجماعات المجتمعية عام 1921 م سماه " المجتمع The Community " ، و Alfred Sheffield الذي ألف عدة كتب عن المحادثة الجماعية group discussion ، و Mery Follett التي أصدرت كتابا في عام 1918 م وصفت فيها الجماعات المجتمعية الصغيرة ، و Harrison Elliott الذي يعتبر كتابه " عملية تفكير الجماعة " والذي صدر عام 1928 م ، من أهم الكتب التي تناولت اختبار أهمية عمليات الاتصال والتفاعل والمناقشات في الجماعات صغيرة العدد وأثرها في حل المشكلات ، و Grace Coyle التي ركزت في أبحاثها - لنيل درجة الدكتوراه - على موضوع العمليات الاجتماعية في الجماعات ( Toseland & Rivas, 1998 ) . وقد أشارت جميع هذه الأبحاث إلى أن العمل الجماعي قد استخدم لحل المشكلات من خلال المناقشات الجماعية ، ومناقشة القضايا التي تهم الجماعة ، والترويح ، والعمل الاجتماعي ، والتنشئة الاجتماعية ، والتعليم ، وتعزيز التوافق ، وتوفير الانسجام بين الجماعات المختلفة اجتماعيا وثقافيا .
وعلى العكس من الكتابات الأولى لطريقة دراسة الحالة التي ركزت في معظمها على تحسين نتائج الممارسة من خلال الدراسة والتشخيص والعلاج المنظم ( Richmond, 1917 ) . فإن الكتابات الأولى للأخصائيين العاملين في مجال الجماعات ركزت على العمليات التي تظهر خلال اجتماعات الجماعة ، فعلى سبيل المثال كان أول كتاب مؤلف عن العمل مع الجماعات هو كتاب ( Coyle, 1930, 1935 ) وهو من أوائل الأخصائيين الاجتماعيين الذين ألفوا كتابا عن الجماعات بعنوان " العمليات الاجتماعية في الجماعات المنظمة " ، بينما كان أول كتاب في طريقة دراسة الحالة بعنوان " التشخيص الاجتماعي " لمؤلفته Richmond 1917 م . وقد ظل هذا التركيز على عمليات الجماعة طوال تاريخ العمل مع الجماعات . كما أهتم الأخصائيون العاملون مع الجماعات بعمليات التفاعل التي تحدث بين أعضاء الجماعة ومعرفة أفضل طرق الاستفادة منها ، كما لم يهملوا التعامل مع حاجات أعضاء الجماعة الشخصية داخل الجماعة والتي يشار إليها اليوم بمفهوم الأفراد داخل الجماعة والجماعة ككل .
وخلال الأعوام من 1940 إلى 1950 م بدأ العاملون مع الجماعات باستخدام الجماعة بشكل مكثف لتحقيق أهداف علاجية وحل المشكلات التي يواجهها العديد من الأشخاص في مؤسسات الصحة النفسية والعقلية . ففي عام 1942 م بدأ Fritz Redl برنامج جماعي لعلاج الأطفال المضطربين عاطفيا وذلك في منطقة ديترويت ، و كان الهدف من هذا البرنامج تقديم خدمات تشخيصية متخصصة لم تكن موجودة في ذلك الوقت في مراكز توجيه الأطفال ( Reid, 1981; 1991 ) . وفي أواخر الأربعينات تعاظم استخدام هذا البرنامج وأصبحت الخدمات الجماعية جزءا مهما في برامج توجيه الأطفال وظهر ذلك من خلال أعمال Gisela Konopka . وغالبا ما كان العلاج الجماعي group therapy يستند إلى المنظور الاستبصاري في تعامله مع المشكلات . هذا المنظور الاستبصاري الذي يعتمد على دراسة وتشخيص وعلاج مشكلات أعضاء الجماعة بدلا من الاعتماد على الأنشطة الترويحية ( Konopka, 1949, 1954; Redl, 1944; Trecker, 1956 ) .
ويعود الفضل في استخدام الجماعات كوسيلة علاجية لحل مشكلات أعضاء الجماعة إلى تأثير نظرية التحليل النفسي وعلم نفس الذات ، وللحرب العالمية الثانية التي خلفت أو أوجدت نقصا واضحا وشديدا في عدد الأخصائيين المدربين الذين يستطيعون التعامل مع الجنود المضطربين نفسيا الذين شاركوا في الحرب ، ولهذا استمر وانتشر استخدام الجماعات لتحقيق أهداف علاجية في المراكز والمصحات النفسية خلال الخمسينات ( Trecker, 1956 ) .
كما زاد التركيز على عمليات تشخيص وعلاج مشكلات الأفراد داخل الجماعات وذلك بعد اعتراف لجنة ممارسة الخدمة الاجتماعية - التي شكلت الاتحاد الدولي للأخصائيين الاجتماعيين – بالعمل الجماعي وتحديد تعريف له . كما ظهرت تعاريف كثيرة لطريقة العمل مع الجماعات واعترف بها عدد كبير من المختصين ، فعلى سبيل المثال ركزت إحدى هذه التعاريف على تضمين مفهوم العمل الجماعي أهدافا واسعة شملت المحافظة على الأداء الشخصي والاجتماعية لأعضاء الجماعة وتحسينها ، بالإضافة إلى الإصلاح correction ، والوقاية prevention ، والنمو الاجتماعي السوي أو السليم normal social growth ، وتعزيز القدرات والمهارات الشخصية ، وتحمل مسؤوليات المواطنة الصالحة والمشاركة في التنمية المجتمعية ( Hartford, 1964; 1971 ) . ومع ازدياد الاهتمام في فترة الأربعينات والخمسينات بطريقة العمل مع الجماعات والتركيز على استخدام الجماعات كوسيلة لتحسين الأداء الاجتماعي والنفسي لأعضاء الجماعة ظل الاهتمام أيضا واضحا وجليا باستخدام الجماعات في مجالات الترويح والتعليم خاصة في المراكز المجتمعية community centers ، والمنظمات الشبابية youth organizations ، كما استخدمت الجماعات في هذه الفترة أيضا لتحقيق أهداف التنمية المجتمعية والعمل الاجتماعي social action في كثير من مراكز الأحياء والمراكز السكنية neighborhood centers ، والمؤسسات المجتمعية . هذا بالإضافة إلى زيادة الاهتمام من قبل المختصين بدراسة الجماعات الصغيرة كظاهرة اجتماعية . وقد سمى ( Hare 1976 ) هذه الفترة بالعمر أو العصر الذهبي Golden Age لدراسة الجماعات .
هذا وقد لخص ( مصطفى ، 1996 ) أهم التغييرات التي طرأت على ممارسة طريقة العمل مع الجماعات في فترة الخمسينات فيما يلي : 1) التغييرات المرتبطة بالافتراضات الأساسية لهذه الطريقة وذلك نتيجة لتأثر العمل الجماعي بالاتجاهات النظرية في العلوم الاجتماعية والسلوكية خاصة فيما يتعلق بالدور الذي يقوم به الأخصائيون سواء على مستوى الأعضاء أو الجماعة ككل .2) استخدام المدخل العلاجي في ممارسة طريقة العمل مع الجماعات حيث قام كثير من المختصين باستخدام المدخل العلاجي والاهتمام بقضية الخلل الوظيفي في أداء الأدوار الاجتماعية للأفراد سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ، واستخدام الجماعة كأداة أساسية لإحداث التغيير لدى هؤلاء الأفراد ومساعدتهم على أداء وظائفهم وأدوارهم بصورة أفضل . 3) الإسهامات المرتبطة بتحديد دور العاملين مع هذه الجماعات فقد ظهرت دراسات عديدة حاولت أن توضح وظيفة ودور العاملين مع هذه الجماعات ابتداء من مرحلة التخطيط لتكوين جماعة وحتى نهاية عملها .4) استخدام المدخل البيئي في ممارسة طريقة العمل مع الجماعات الذي يهتم بتحديد العناصر التنظيمية والمؤسسية التي تسهم في مساعدة الأعضاء على أداء وظائفهم ، ويعطي أهمية كبيرة على الخبرة الجماعية كوسيلة للتغير .
وفي فترة الستينات قلت شعبية الخدمات الجماعية وطغى الاهتمام بالبرامج التدريبية والتعليمية على حساب خدمات العمل الجماعي باستثناء مجال تنظيم المجتمع community organization الذي اهتم بالاستفادة من المهارات التي يستخدمها الأخصائيون العاملون مع الجماعات في مجال تعبئة طاقات الشباب والراشدين حول القضايا والاهتمامات الاجتماعية . وخلال هذه الفترة أيضا ظهر توجه نحو الاهتمام بالممارسة العامة والشاملة والابتعاد عن التخصصية المنهجية ( دراسة الحالة والعمل مع الجماعات والعمل المجتمعي ) في مجال الخدمة الاجتماعية مما أدى إلى ضعف الاهتمام بطريقة العمل مع الجماعات والتخصص في هذه الطريقة ، مما أدى بدوره إلى نقص واضح في أعداد المتخصصين المدربين لاستخدام طريقة العمل مع الجماعات كطريقة أساسية في الممارسة .
واستمر هذا الوضع أيضا في فترة السبعينات ، إلا أن بعض المدارس المتخصصة كانت تدرس بعض المقررات المتقدمة في مجال العمل مع الجماعات ، واعتمد عدد قليل من الممارسين على هذه الطريقة كمنهج في العمل . وبهدف رفع مستوى وعي الممارسين بأهمية الجماعات والفوائد التي يحققها العمل الجماعي قام العاملون في مجال العمل مع الجماعات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بتنظيم الندوة السنوية الأولى لتطوير العمل مع الجماعات وذلك في عام 1979 ، واستمر تنظيم هذه الندوة منذ ذلك التاريخ حتى الآن .
واليوم أصبح استخدام طريقة العمل مع الجماعات كمنهج علاجي لتحسين أداء أعضاء الجماعة هو المنهج المفضل لدى كثير من الممارسين والأكاديميين العاملين في مجالات الخدمة الاجتماعية وعلم النفس ( Cowger, 1980 ) . وقد أكد كثير من الكتاب في مجال العمل مع الجماعات Vinter ( 1967 ) Rose ( 1989 : 1991 : 1998 : ) Garvin ( 1987 ) Henry ( 1992 ) على أهمية استخدام الجماعات لتحقيق أهداف علاجية . واعتمدت طريقة هؤلاء الكتاب في ممارسة العمل مع الجماعات على النموذج العلاجي الذي يهتم بعمليات تحديد المشكلة problem identification ، والتقدير assessment ، والعلاج treatment ، بينما ركز البعض الآخر في عملهم مع الجماعات على تحقيق أهداف تقليدية . فعلى سبيل المثال لا الحصر ركز كل من Klein ( 1972 ) و Schwartz ( 1976 ) و Shulman ( 1992 ) و Klein ( 1995 ) على أهمية الدعم المتبادل mutual aid كإحدى الخصائص الأساسية لطريقة العمل مع الجماعات ، وكانوا ينظرون إلى دور القائد على أنه دور يتركز حول عملية الوساطة بين مطالب أعضاء الجماعة ومطالب البيئة أو المجتمع الذي يعيشون فيه . كما كتب Middleman ( 1982 ) عن استخدام الأنشطة وطرق العمل غير اللفظي nonverbal action methods لإنجاز أهداف مشتركة بين أعضاء الجماعة ، هذه الأنشطة التي تذكرنا بالأساليب والأنشطة الاجتماعية والترويحية والعلاجية الماضية التي استخدمت في المعسكرات والمنظمات الشبابية في بداية القرن التاسع عشر .
إن ممارسة طريقة العمل مع الجماعات في الوقت الحاضر تتعامل مع أهداف متنوعة ومتعددة وليست قاصرة على مجال واحد فقط ، بل تنوعت مجالات الممارسة لهذه الطريقة فشملت جميع مجالات العمل الاجتماعي في المؤسسات المختلفة ، فنجد على سبيل المثال أن العمل مع الجماعات في المؤسسات الإيوائية تركز في مجملها على عملية الدعم المتبادل والمشترك بين أعضاء الجماعة ومساعدتهم على العيش سويا في مكان واحد ، وتوفير المساندة الاجتماعية لبعضهم البعض ، والتكيف مع ضغوط الحياة اليومية كأهداف أساسية لهذه الجماعات . كما أن الجماعات المجتمعية تركز في أهدافها على عملية تبادل الدعم بين أعضائها لإشباع اهتماماتهم المشتركة . ونجد أيضا أن بعض الأخصائيين قاموا بتنظيم نوع من الجماعات أطلق عليه اسم جماعات المساعدة الذاتية self-help groups التي تهدف إلى توفير المشورة والخبرة اللازمة لأعضاء هذه الجماعات . لقد عملت طريقة العمل مع الجماعات على الاستجابة لحاجات مختلفة سواء كانت تعليمية أو ترويحية أو علاجية أو إصلاحية أو تأهيلية .
يشير ( Zastrow, 1991 ) إلى أن جذور طريقة العمل مع الجماعات بدأت من خلال بيوت المعسكرات Settlement Houses ، و YMCAs ، و YWCAs ، والأندية الشبابية . وأن هذه المؤسسات قد ركزت في برامجها على الأشخاص الأسوياء العاديين بهدف تحقيق أغراض متنوعة كالترويح والتعليم والصداقة والعمل الاجتماعي . كما أشار ( Euster, 1980 ) إلى أن الهدف من العمل مع هذه الجماعات تركز حول تعليم أعضاء الجماعة التعاون وتكوين العلاقات الاجتماعية ، وإثراء أنفسهم من خلال تعلم معارف ومهارات واهتمامات جديدة .
لقد أنشأ أول معسكر ( Yoynbee Hall ) في لندن عام 1884 م ، ثم توالى إنشاء العديد من هذه المعسكرات في المدن الكبيرة بالولايات المتحدة الأمريكية ( Stroup, 1986 ) . وقد أشرف على هذه المعسكرات في بداية الأمر عدد من بنات الوزراء وأفراد من الطبقة الوسطى والعليا الذين عاشوا في الأحياء الفقيرة وأحسوا بمعاناة الطبقة الفقيرة في هذه الأحياء . وعملوا مع هذه الجماعات بهدف تحسين أوضاعها المعيشية ، وتعليمهم القيم الأخلاقية ، وتحسين ظروفهم . ويشير ( Zastrow, 1991 ) إلى أن العاملين في هذه المعسكرات هدفوا إلى تحسين الأوضاع السكنية والصحية والمعيشية لهذه الجماعات ، كما عملوا على مساعدة الأفراد العاطلين عن العمل والبحث لهم عن عمل مناسب ، وتعليمهم اللغة الإنجليزية ، والرفع من مستوى وعيهم الصحي ومستوى الصحة العامة ، هذا بالإضافة إلى إكسابهم المهارات المهنية المتنوعة ، وتغيير أوضاعهم البيئية من خلال الجهود المشتركة .
ويشير ( مصطفى ، 1996 ) إلى أن طريقة العمل مع الجماعات لا يمكن نسبتها إلى شخصية عملية معينة ، إلا أن هذه الطريقة كانت قد واكبت تطور المؤسسات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي منها ما يسمى بمنظمات الخدمة الذاتية self service ومؤسسات الترويح ومراكز الجيرة إلى جانب حركة الإسكان وحركة الشبان المسيحيين وحركة الكشافة والمعسكرات بالإضافة إلى حركة المحلات الاجتماعية والملاعب العامة التي أصبحت فيما بعد من أهم المؤسسات التي تمارس طريقة العمل مع الجماعات . لقد كانت المحلات الاجتماعية والمنظمات الشبابية تمارس أوجه نشاط مختلفة كالألعاب الرياضية والتمثيل والرسم والمناقشات الجماعية المختلفة إلا أنها كانت تمارس مثل هذه الأنشطة بطريقة غير مقنعة من الناحية العلمية .
لقد ساهمت مجالات وتخصصات عديدة في فهم طريقة العمل الجماعي فالخدمة الاجتماعية وعلم النفس والاجتماع والتربية والترويح كلها مجالات ساعدت وساهمت بشكل فاعل في نمو وتطور هذه الطريقة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم . ولا يزال الكثير من هذه المجالات يستخدم هذه الطريقة في تحقيق أهدافها . حيث يشير ( Boyd, 1935 ) إلى أن الجماعة استخدمت لتحقيق أهداف علاجية therapeutic goals في مؤسسات الصحة النفسية ، ولكن الفضل في معظم ما يتعلق بخبرات العمل الجماعي كان نتاجا لجهود الأشخاص الذين قادوا جماعات التنشئة الاجتماعية socialization groups والجماعات التعليمية للراشدين adult education groups والجماعات الترويحية recreation groups في مؤسسات الخدمات الشبابية والمعسكرات .
ويعتقد الكثير من الممارسين أن العمل بمنهج دراسة الحالة case work سبق منهج العمل مع الجماعات group work بسنوات عديدة ، وهذا غير صحيح على الإطلاق . فالعمل مع الجماعات ظهر كطريقة بعد سنوات قليلة فقط من ظهور طريقة دراسة الحالة . فقد بدأ تدريس طريقة العمل مع الجماعات في مدارس الخدمة الاجتماعية في بداية القرن التاسع عشر ( Maloney, 1963 ) . كما استخدمت طريقة دراسة الحالة والعمل مع الجماعات من جانب الأخصائيين في بداية القرن العشرين ، ويؤكد على ذلك أيضا ( Schwartz, 1981 ) الذي يذكر أن الفرق التاريخي الوحيد بين طريقة دراسة الحالة وطريقة العمل مع الجماعات هو أن الطريقة الأولى تم الاعتراف بها كطريقة للعمل بعد فترة وجيزة من ظهورها ، بينما تأخر الاعتراف بطريقة العمل مع الجماعات لحين انعقاد المؤتمر الدولي للأخصائيين الاجتماعيين National Conference of Social Workers الذي نظم عام ) 1935 م ) .
وقد زاد الاهتمام بطريقة العمل مع الجماعات في الخدمة الاجتماعية خلال الأربعينات وذلك وفقا لتقرير الجمعية الأمريكية للأخصائيين العاملين مع الجماعات ( American Association of Group Workers, 1947 ) ، ومع ذلك فقد ظلت هذه الطريقة خاصة بالعمل في مجالات محددة كالترويح وتعليم الكبار والصحة النفسية حتى عام 1950 م عندما انضم الأخصائيون الممارسون لطريقة العمل مع الجماعات إلى ست اتحادات مهنية كونت الاتحاد الدولي للأخصائيين الاجتماعيين National Association of Social Workers ( Toseland & Rivas, 1998 )
وقد استخدمت طريقة العمل مع الجماعات في المعسكرات Settlement Houses لتوفير فرص التعليم ، والترويح ، والتنشئة الاجتماعية ، والمشاركة الاجتماعية للمواطنين الذين يعيشون في هذه المعسكرات . كما ساعدت هذه الطريقة على توفير فرص عديدة لتبادل وجهات النظر والحصول على الدعم والمساندة والتعاطف والاستفادة من قوتهم الناتجة عن تجمعهم لإحداث التغيير الاجتماعي المنشود .
وقد اعتمد الأخصائيون العاملون مع الجماعات على الأنشطة لحفز وحث أعضاء الجماعة على العمل ، فقد كانت النشاطات المختلفة هي الوسيلة الأساسية لمساعدة الجماعات في إنجاز أهدافها ( Addams, 1909 , 1926; Boyd, 1935, 1938 ; Smith, 1935 ) . لقد اعتمد الممارسون لطريقة العمل مع الجماعات على المعسكرات ، والمحادثات الجماعية ، والألعاب ، والفنون ، والنحت للترويح عن أعضاء الجماعة وتعليمهم وتأهيلهم وتوفير المساندة الاجتماعية لهم وتنشئتهم اجتماعيا .
وعلى العكس من طريقة دراسة الحالة التي ركزت على أسلوب حل المشكلات والتأهيل ، استخدمت طريقة العمل مع الجماعات النشاطات لتحقيق المتعة والتسلية والفائدة بالإضافة إلى حل المشكلات ، وبالتالي فإن طريقة العمل الجماعي التي نمت داخل هذه المعسكرات اختلفت في مجالات تركيزها وأهدافها عن طريقة دراسة الحالة . كما يمكن ملاحظة الاختلاف بين الطريقتين في علاقة المساعدة helping relationship بشكل واضح . فبينما ركزت طريقة دراسة الحالة على البحث عن ضحايا الثورة الصناعية ومساعدتهم ، ومعالجة مشكلات العملاء ذوي الدخول المرتفعة ، بالإضافة إلى العمل مع العجزة والمعوقين والفقراء ، فإن العمل الجماعي لم يركز على الحالات الفقيرة أو الحالات التي تعاني من المشكلات بل ركز في معظم عمله على الأفراد الأسوياء ، كما استخدم المختصون في العمل مع الجماعات كلمة أعضاء members بدلا من كلمة عملاء client ( Bowman, 1935 ) للدلالة على الأفراد الذين يتعاملون معهم في هذه الجماعات .
وقد ركزت هذه الطريقة على التعامل مع جوانب القوة في شخصيات الأعضاء بدلا من التركيز على جوانب ضعفهم . فقد كان ينظر إلى المساعدة في العمل الجماعي على أنه عمل يتميز بالعلاقات المتبادلة والتعاون بين أعضاء الجماعة للوصول إلى فهم مشترك لأساليب عمل جماعية مع الأخذ بعين الاعتبار اهتماماتهم كأفراد وكجماعات يعيشون في مجتمع ، فمتى ما تم تحديد اهتمامات الجماعة يقوم الأعضاء بتوفير المساندة والدعم والتعاطف لمساعدة بعضهم بعضا ، ويقوم القائد بدور الوسيط بين مطالب المجتمع واحتياجات أعضاء الجماعة ( Schwartz, 1981 ) .
كما يظهر الاختلاف بين طريقة العمل مع الأفراد وطريقة العمل مع الجماعات في العمليات الأساسية للعمل الجماعي المتمثلة في التفاعل المشترك والسلطة أو القوة المشتركة والاشتراك في اتخاذ القرارات التي يواجهها الأخصائي الذي يعمل مع الجماعات ولا يتعامل معها أخصائي دراسة الحالة ، كما أن أخصائي العمل مع الجماعات مطالب غالبا بالتدخل السريع خلال الفترات التي يتسم فيها العمل الجماعي بالتعقيد وسرعة التفاعل والتعامل مع حاجات أعضاء الجماعة المختلفة ، كما أن حجم الجماعة ، وعدد أعضائها ، وعملية اتخاذ القرار ، واستخدام أعضاء الجماعة لمساعدة بعضهم بعضا كلها عوامل تضع عبئا على الأخصائي وتفرض عليه تعلم واكتساب مهارات تختلف عن المهارات التي يستخدمها أخصائي دراسة الحالة .
وبين الأعوام 1910 إلى 1920 م بدأ الأخصائيون الذين يعملون مع الجماعات وخاصة في مجالات تعليم الكبار والترويح والعمل المجتمعي بإدراك أهمية العمل الجماعي فاستخدموا الجماعة كوسيلة لمساعدة الناس على المشاركة المجتمعية وإثراء حياتهم وتوفير المساندة للأشخاص الذين يعانون من انخفاض كفاءة علاقاتهم الاجتماعية وعدم الرضا عنها ، كما أدركوا أهمية الجماعة في مساعدة الناس لتعلم المهارات الاجتماعية social skills ومهارات حل المشكلات problem solving skills ، وبدءوا في استخدام الجماعة كوسيلة للوقاية من الانحراف delinquency وإعادة تأهيل rehabilitate الأشخاص الذين يعانون من سوء التوافق maladjusted ( Addams, 1909, 1926 ) . خلال هذه الفترة بدأ بعض المختصين بالكتابة عن الجماعات التي شاهدوها تعمل في مجتمعاتهم وغالبا ما كانت كتاباتهم نابعة من خبراتهم الشخصية ، ومن أهم من كتب في هذا المجال Edward Lindeman " رائد تعليم الكبار " الذي ألف كتابا عن الجماعات المجتمعية عام 1921 م سماه " المجتمع The Community " ، و Alfred Sheffield الذي ألف عدة كتب عن المحادثة الجماعية group discussion ، و Mery Follett التي أصدرت كتابا في عام 1918 م وصفت فيها الجماعات المجتمعية الصغيرة ، و Harrison Elliott الذي يعتبر كتابه " عملية تفكير الجماعة " والذي صدر عام 1928 م ، من أهم الكتب التي تناولت اختبار أهمية عمليات الاتصال والتفاعل والمناقشات في الجماعات صغيرة العدد وأثرها في حل المشكلات ، و Grace Coyle التي ركزت في أبحاثها - لنيل درجة الدكتوراه - على موضوع العمليات الاجتماعية في الجماعات ( Toseland & Rivas, 1998 ) . وقد أشارت جميع هذه الأبحاث إلى أن العمل الجماعي قد استخدم لحل المشكلات من خلال المناقشات الجماعية ، ومناقشة القضايا التي تهم الجماعة ، والترويح ، والعمل الاجتماعي ، والتنشئة الاجتماعية ، والتعليم ، وتعزيز التوافق ، وتوفير الانسجام بين الجماعات المختلفة اجتماعيا وثقافيا .
وعلى العكس من الكتابات الأولى لطريقة دراسة الحالة التي ركزت في معظمها على تحسين نتائج الممارسة من خلال الدراسة والتشخيص والعلاج المنظم ( Richmond, 1917 ) . فإن الكتابات الأولى للأخصائيين العاملين في مجال الجماعات ركزت على العمليات التي تظهر خلال اجتماعات الجماعة ، فعلى سبيل المثال كان أول كتاب مؤلف عن العمل مع الجماعات هو كتاب ( Coyle, 1930, 1935 ) وهو من أوائل الأخصائيين الاجتماعيين الذين ألفوا كتابا عن الجماعات بعنوان " العمليات الاجتماعية في الجماعات المنظمة " ، بينما كان أول كتاب في طريقة دراسة الحالة بعنوان " التشخيص الاجتماعي " لمؤلفته Richmond 1917 م . وقد ظل هذا التركيز على عمليات الجماعة طوال تاريخ العمل مع الجماعات . كما أهتم الأخصائيون العاملون مع الجماعات بعمليات التفاعل التي تحدث بين أعضاء الجماعة ومعرفة أفضل طرق الاستفادة منها ، كما لم يهملوا التعامل مع حاجات أعضاء الجماعة الشخصية داخل الجماعة والتي يشار إليها اليوم بمفهوم الأفراد داخل الجماعة والجماعة ككل .
وخلال الأعوام من 1940 إلى 1950 م بدأ العاملون مع الجماعات باستخدام الجماعة بشكل مكثف لتحقيق أهداف علاجية وحل المشكلات التي يواجهها العديد من الأشخاص في مؤسسات الصحة النفسية والعقلية . ففي عام 1942 م بدأ Fritz Redl برنامج جماعي لعلاج الأطفال المضطربين عاطفيا وذلك في منطقة ديترويت ، و كان الهدف من هذا البرنامج تقديم خدمات تشخيصية متخصصة لم تكن موجودة في ذلك الوقت في مراكز توجيه الأطفال ( Reid, 1981; 1991 ) . وفي أواخر الأربعينات تعاظم استخدام هذا البرنامج وأصبحت الخدمات الجماعية جزءا مهما في برامج توجيه الأطفال وظهر ذلك من خلال أعمال Gisela Konopka . وغالبا ما كان العلاج الجماعي group therapy يستند إلى المنظور الاستبصاري في تعامله مع المشكلات . هذا المنظور الاستبصاري الذي يعتمد على دراسة وتشخيص وعلاج مشكلات أعضاء الجماعة بدلا من الاعتماد على الأنشطة الترويحية ( Konopka, 1949, 1954; Redl, 1944; Trecker, 1956 ) .
ويعود الفضل في استخدام الجماعات كوسيلة علاجية لحل مشكلات أعضاء الجماعة إلى تأثير نظرية التحليل النفسي وعلم نفس الذات ، وللحرب العالمية الثانية التي خلفت أو أوجدت نقصا واضحا وشديدا في عدد الأخصائيين المدربين الذين يستطيعون التعامل مع الجنود المضطربين نفسيا الذين شاركوا في الحرب ، ولهذا استمر وانتشر استخدام الجماعات لتحقيق أهداف علاجية في المراكز والمصحات النفسية خلال الخمسينات ( Trecker, 1956 ) .
كما زاد التركيز على عمليات تشخيص وعلاج مشكلات الأفراد داخل الجماعات وذلك بعد اعتراف لجنة ممارسة الخدمة الاجتماعية - التي شكلت الاتحاد الدولي للأخصائيين الاجتماعيين – بالعمل الجماعي وتحديد تعريف له . كما ظهرت تعاريف كثيرة لطريقة العمل مع الجماعات واعترف بها عدد كبير من المختصين ، فعلى سبيل المثال ركزت إحدى هذه التعاريف على تضمين مفهوم العمل الجماعي أهدافا واسعة شملت المحافظة على الأداء الشخصي والاجتماعية لأعضاء الجماعة وتحسينها ، بالإضافة إلى الإصلاح correction ، والوقاية prevention ، والنمو الاجتماعي السوي أو السليم normal social growth ، وتعزيز القدرات والمهارات الشخصية ، وتحمل مسؤوليات المواطنة الصالحة والمشاركة في التنمية المجتمعية ( Hartford, 1964; 1971 ) . ومع ازدياد الاهتمام في فترة الأربعينات والخمسينات بطريقة العمل مع الجماعات والتركيز على استخدام الجماعات كوسيلة لتحسين الأداء الاجتماعي والنفسي لأعضاء الجماعة ظل الاهتمام أيضا واضحا وجليا باستخدام الجماعات في مجالات الترويح والتعليم خاصة في المراكز المجتمعية community centers ، والمنظمات الشبابية youth organizations ، كما استخدمت الجماعات في هذه الفترة أيضا لتحقيق أهداف التنمية المجتمعية والعمل الاجتماعي social action في كثير من مراكز الأحياء والمراكز السكنية neighborhood centers ، والمؤسسات المجتمعية . هذا بالإضافة إلى زيادة الاهتمام من قبل المختصين بدراسة الجماعات الصغيرة كظاهرة اجتماعية . وقد سمى ( Hare 1976 ) هذه الفترة بالعمر أو العصر الذهبي Golden Age لدراسة الجماعات .
هذا وقد لخص ( مصطفى ، 1996 ) أهم التغييرات التي طرأت على ممارسة طريقة العمل مع الجماعات في فترة الخمسينات فيما يلي : 1) التغييرات المرتبطة بالافتراضات الأساسية لهذه الطريقة وذلك نتيجة لتأثر العمل الجماعي بالاتجاهات النظرية في العلوم الاجتماعية والسلوكية خاصة فيما يتعلق بالدور الذي يقوم به الأخصائيون سواء على مستوى الأعضاء أو الجماعة ككل .2) استخدام المدخل العلاجي في ممارسة طريقة العمل مع الجماعات حيث قام كثير من المختصين باستخدام المدخل العلاجي والاهتمام بقضية الخلل الوظيفي في أداء الأدوار الاجتماعية للأفراد سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ، واستخدام الجماعة كأداة أساسية لإحداث التغيير لدى هؤلاء الأفراد ومساعدتهم على أداء وظائفهم وأدوارهم بصورة أفضل . 3) الإسهامات المرتبطة بتحديد دور العاملين مع هذه الجماعات فقد ظهرت دراسات عديدة حاولت أن توضح وظيفة ودور العاملين مع هذه الجماعات ابتداء من مرحلة التخطيط لتكوين جماعة وحتى نهاية عملها .4) استخدام المدخل البيئي في ممارسة طريقة العمل مع الجماعات الذي يهتم بتحديد العناصر التنظيمية والمؤسسية التي تسهم في مساعدة الأعضاء على أداء وظائفهم ، ويعطي أهمية كبيرة على الخبرة الجماعية كوسيلة للتغير .
وفي فترة الستينات قلت شعبية الخدمات الجماعية وطغى الاهتمام بالبرامج التدريبية والتعليمية على حساب خدمات العمل الجماعي باستثناء مجال تنظيم المجتمع community organization الذي اهتم بالاستفادة من المهارات التي يستخدمها الأخصائيون العاملون مع الجماعات في مجال تعبئة طاقات الشباب والراشدين حول القضايا والاهتمامات الاجتماعية . وخلال هذه الفترة أيضا ظهر توجه نحو الاهتمام بالممارسة العامة والشاملة والابتعاد عن التخصصية المنهجية ( دراسة الحالة والعمل مع الجماعات والعمل المجتمعي ) في مجال الخدمة الاجتماعية مما أدى إلى ضعف الاهتمام بطريقة العمل مع الجماعات والتخصص في هذه الطريقة ، مما أدى بدوره إلى نقص واضح في أعداد المتخصصين المدربين لاستخدام طريقة العمل مع الجماعات كطريقة أساسية في الممارسة .
واستمر هذا الوضع أيضا في فترة السبعينات ، إلا أن بعض المدارس المتخصصة كانت تدرس بعض المقررات المتقدمة في مجال العمل مع الجماعات ، واعتمد عدد قليل من الممارسين على هذه الطريقة كمنهج في العمل . وبهدف رفع مستوى وعي الممارسين بأهمية الجماعات والفوائد التي يحققها العمل الجماعي قام العاملون في مجال العمل مع الجماعات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بتنظيم الندوة السنوية الأولى لتطوير العمل مع الجماعات وذلك في عام 1979 ، واستمر تنظيم هذه الندوة منذ ذلك التاريخ حتى الآن .
واليوم أصبح استخدام طريقة العمل مع الجماعات كمنهج علاجي لتحسين أداء أعضاء الجماعة هو المنهج المفضل لدى كثير من الممارسين والأكاديميين العاملين في مجالات الخدمة الاجتماعية وعلم النفس ( Cowger, 1980 ) . وقد أكد كثير من الكتاب في مجال العمل مع الجماعات Vinter ( 1967 ) Rose ( 1989 : 1991 : 1998 : ) Garvin ( 1987 ) Henry ( 1992 ) على أهمية استخدام الجماعات لتحقيق أهداف علاجية . واعتمدت طريقة هؤلاء الكتاب في ممارسة العمل مع الجماعات على النموذج العلاجي الذي يهتم بعمليات تحديد المشكلة problem identification ، والتقدير assessment ، والعلاج treatment ، بينما ركز البعض الآخر في عملهم مع الجماعات على تحقيق أهداف تقليدية . فعلى سبيل المثال لا الحصر ركز كل من Klein ( 1972 ) و Schwartz ( 1976 ) و Shulman ( 1992 ) و Klein ( 1995 ) على أهمية الدعم المتبادل mutual aid كإحدى الخصائص الأساسية لطريقة العمل مع الجماعات ، وكانوا ينظرون إلى دور القائد على أنه دور يتركز حول عملية الوساطة بين مطالب أعضاء الجماعة ومطالب البيئة أو المجتمع الذي يعيشون فيه . كما كتب Middleman ( 1982 ) عن استخدام الأنشطة وطرق العمل غير اللفظي nonverbal action methods لإنجاز أهداف مشتركة بين أعضاء الجماعة ، هذه الأنشطة التي تذكرنا بالأساليب والأنشطة الاجتماعية والترويحية والعلاجية الماضية التي استخدمت في المعسكرات والمنظمات الشبابية في بداية القرن التاسع عشر .
إن ممارسة طريقة العمل مع الجماعات في الوقت الحاضر تتعامل مع أهداف متنوعة ومتعددة وليست قاصرة على مجال واحد فقط ، بل تنوعت مجالات الممارسة لهذه الطريقة فشملت جميع مجالات العمل الاجتماعي في المؤسسات المختلفة ، فنجد على سبيل المثال أن العمل مع الجماعات في المؤسسات الإيوائية تركز في مجملها على عملية الدعم المتبادل والمشترك بين أعضاء الجماعة ومساعدتهم على العيش سويا في مكان واحد ، وتوفير المساندة الاجتماعية لبعضهم البعض ، والتكيف مع ضغوط الحياة اليومية كأهداف أساسية لهذه الجماعات . كما أن الجماعات المجتمعية تركز في أهدافها على عملية تبادل الدعم بين أعضائها لإشباع اهتماماتهم المشتركة . ونجد أيضا أن بعض الأخصائيين قاموا بتنظيم نوع من الجماعات أطلق عليه اسم جماعات المساعدة الذاتية self-help groups التي تهدف إلى توفير المشورة والخبرة اللازمة لأعضاء هذه الجماعات . لقد عملت طريقة العمل مع الجماعات على الاستجابة لحاجات مختلفة سواء كانت تعليمية أو ترويحية أو علاجية أو إصلاحية أو تأهيلية .